ابن رشد
126
تهافت التهافت
قال أبو حامد : ولنترك دعوى وحدانيته من كل وجه إن كانت الوحدانية تزول بهذا النوع من الكثرة . قلت : يريد إنهم إذا وضعوا أن الأول يعقل ذاته ، ويعقل من ذاته أن علة لغيره ، فلهم أن ينزلوا أنه ليس واحدا من كل جهة إذ كان لم يتبين بعد أنه يجب أن يكون واحدا من كل جهة ، وهذا الذي قاله هو مذهب بعض المشائين ويتأولون أنه مذهب أرسطاطاليس . قال أبو حامد : فإن قيل : الأول لا يعقل إلا ذاته وعقله ذاته هو عين ذاته فالعقل والعاقل والمعقول واحد ولا يعقل غيره . فالجواب من وجهين : أحدهما : أن هذا المذهب لشناعته هجره ابن سينا وسائر المحققين وزعموا أن الأول يعقل نفسه مبدأ لفيضان ما يفيض منه ويعقل الموجودات كلها بأنواعها عقلا كليا لا جزئيا ، إذ استقبحوا قول القائل المبدأ الأول لا يصدر منه إلا عقل واحد ، ثم لا يعقل ما يصدر منه ومعلوله عقل ويفيض منه عقل ونفس فلك وجرم فلك ويعقل نفسه ومعلولاته الثلاث وعلته ومبدأه لا يعقل إلا نفسه فيكون المعلول أشرف من العلة من حيث أن العلة ما فاض منها إلا واحد وقد فاض من هذا ثلاثة أمور والأول ما عقل إلا نفسه وهذا عقل نفسه ونفس المبدأ ونفس المعلولات ومن قنع أن يكون قوله في اللّه سبحانه راجعا إلى هذه الرتبة فقد جعله أحقر من كل موجود يعقل نفسه ويعقله فإن ما يعقله ويعقل نفسه أشرف منزلة منه إذ كان هو لا يعقل إلا نفسه . وقد انتهى منهم التعمق في التعظيم إلى أن أبطلوا كل ما يفهم من العظمة وقربوا حاله تعالى من حال الميت الذي لا خبر له بما يجري في العالم ، إلا أنه فارق الميت في شعوره بنفسه فقط . وهكذا يفعل اللّه بالزائغين عن سبيله والناكبين لطريق الهدى المنكرين لقوله ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم الظانين بالله ظن السواء المعتقدين أن الأمور الربوبية يستولي على كنهها القوى البشرية المغرورين بعقولهم زاعمين أن فيها مندوحة عن تقليد الرسل واتباعهم فلا جرم اضطروا في الاعتراف بأن لباب معقولاتهم رجعت إلى ما لو حكي في منام لتعجب منه . قلت : إنه ينبغي للذي يريد أن يخوض في هذه الأشياء أن يعلم أن كثيرا من الأمور التي تثبت في العلوم النظرية إذا عرضت على بادئ الرأي وإلى ما يعقله الجمهور من ذلك كانت بالإضافة إليهم شبيها بما يدرك النائم في نومه ، كما قال ، وإن كثيرا من هذه ليس تلفى لها مقدمات من نوع المقدمات التي هي معقولة عند الجمهور يقنعون بها في أمثال هذه المعاني ، بل لا سبيل إلى أن يقع